■■■أخلاقيات مهنة التدريس و أهم مرجعياتها:
●تعد أخلاقيات مهنة التعليم من أهم الموجهات المؤثرة في سلوك المربي لأنها تشكل لديه رقيبا داخليا وتزوده بأطر مرجعية ذاتية يسترشد بها في عمله، ويقيّم أداء وعلاقاته مع الآخرين تقويما ذاتيا يعينه على اتخاذ القرارات الحكيمة التي يحتاجها ليكون أكثر انسجاماً وتوافقاً مع ذاته ومع مهنته، ومع الآخرين. و يأتي الاهتمام بأخلاقيات هذه المهنة من خلال ما لحظته من غياب لميثاق أخلاقي لمهنة التدريس في تونس.
إنّ الالتزام بتلك الأخلاقيات أمر ضروري وواجب، إذ يتحدد مقدار انتماء المربي لمهنته بموجب درجة التزامه بقواعد تلك المهنة ومراعاتها في جميع الأحوال والمواقف، فتتكون لدى الفرد خلال سنين حياته منظومة قيمية يحتكم إليها، تشكل إطارا مرجعيا يتم في ضوئه الحكم على المواقف والأشياء والمهنة في حدّ ذاتها.
ومن أهم مصادر أخلاقيات المهنة يمكن ذكر ما يلي:
■■ أ - الثقافة العربية الإسلامية:
كان موضوع أخلاقيات مهنة التعليم من الموضوعات الرئيسة التي تناولها العرب والمسلمون بالدراسة وسبقوا فيها غيرهم، وكانوا أول من أدركوا في كتبهم أهمية المبادئ والأسس الأخلاقية التي تقوم عليها المهنة.
تطرّق ابن خلدون إلى مجموعة من الصّنائع مثل الوراقة والخياطة والبناء والطب والحدادة وغيرها من المهن ثمّ أفرد تعليم العلم جانبا همّا في تفكيره. فاعتبر مهنة التدريس أساس بناء العمران البشري، وكلما ازداد العمران عظمت العلوم وازدهرت الحضارة" فَضُلَتْ أعمال أهل العمران عن معاشهم، انصرفت إلى ما وراء المعاش من التصرّف في خاصية الإنسان وهي العلوم و الصّنائع. ومن تشوّف بفطرته إلى العلم ممن نشأ في القرى والأمصار غير المتمدّنة، فلا يجد فيها التعليم الذي هو صناعي، لفقدان الصّنائع في أهل البدو كما قدّمناه، ولا بدّ له من الرحلة لطلبه إلى الأمصار المستبحرة".
وتعتبر صناعة التدريس عند ابن خلدون قلب الأمة النابض لأنّ المدّرس هو المسؤول على تربية الناشئة التي تمثّل مستقبل الأمة، إذ يعتبر أنّ كلّ نقص في تكوين المدّر سينعكس سلبا على المجتمع ككل.وهذا ما يؤكّد محورية وخطورة مهنة التدريس. وعلى هذا الأساس حدّد ابن خلدون شروطا للقيام بمهنة التدريس لعلّ أبرزها شرط حبّ المدرّس لمهنته ليتمكّن من تجاوز العراقيل والمصاعب التي تتميّز بها مهنة التدريس.وهو" حبّ لا يقتصر على الغير، وإنّما يتّسع ليشمل مطالب العملية التي يتألف منها التدريس ذاته. ولعلّ من العسير أن يمارس المرء مهنة التدريس دون أن تكون لديه الشجاعة كي يحبّ تلك الشّجاعة التي تقتضي ممارسة ذلك الحبّ....". هذا الحبّ يتجسّد في كون المعلّم يسخّر كل طاقاته وأحاسيسه لمزاولة مهنته.
ويضيف ابن خلدون شرطا آخر لممارسة مهنة التدريس ألا وهو شرط الإلمام بعلوم المهنة التي عبّر عنها بـــ" الملكة" حيث يقول" ...على قدرة جودة التعليم وملكة المعلّم يكون حذق المتعلّم في الصّناعة وحصول ملكته...".
نلاحظ أنّ ابن خلدون يؤكّد على ضرورة أن يكون المعلّم على اتصال تام بالكتاب والمعرفة والاجتهاد في طلبها لتكوين ذاته و تعهّد مكتسباته حول مهنته حيث يلتقى ابن خلدون مع التوجهات الحديثة التي اهتمت بمهنة التدريس و اعتبرت أنّ التكوّن الذاتي أمر مفروض على كلّ المدرّسين حتى يلجوا طور تمهين ممارساتهم و تصبح مدوّنتهم المعرفية حول مهنة التدريس محيّنة و مواكبة لتطور المجتمع و الزخم المعرفي الذي نشهده اليوم.
■■ ب - التشريعات والقوانين والأنظمة:
تعد التشريعات والقوانين والأنظمة المعمول بها من المصادر الأخلاقية فهي تحدد للموظفين الواجبات الأساسية المطلوب إليهم التقيد بها وتنفيذها ويقصد بالتشريعات دستور الدولة، وجميع القوانين المنبثقة عنه.
أفرد دستور البلاد التونسية فصلا كاملا للتعليم العمومي حيث نقرأ في الفصل 39 ما يلي:" تضمن الدولة الحقّ في التعليم العمومي المجاني بكامل مراحله، وتسعى إلى توفير الإمكانيات الضرورية لتحقيق جودة التربية والتعليم والتكوين....". وعلى هذا الأساس ضمنت الدولة حقّ التعليم وجودته لكل أفراد المجتمع من خلال أعوان عموميين فوضهم المجتمع للقيام بمهمّة التدريس هم المعلّمون. فجاء القانون الأساسي للمدرّسين ليضبط حقوق وواجبات المدرّسين وينظّم مختلف أدوارهم ذات العلاقة بمهنتهم. تحت الأمر عدد 2225 لسنة 2013 مؤرخ في 3 جوان 2013 يتعلق بضبط النظام الأساسي الخاص بسلك مدرّسي التعليم الابتدائي العاملين بالمدارس الابتدائية التابعة لوزارة التربية. حيث أكّد هذا النظام الأساسي على رتب المدرسين وطرق تدرجهم في المهنة. وبيّن مهام المدرسين البيداغوجية دون التأكيد على الجانب الأخلاقي الذي يؤطر مهنة التدريس. حيث بقي الإطار الأخلاقي لهذه المهنة رهين العرف فقط. وهنا تجر الإشارة إلى أنّ تونس ليس لها ميثاق أخلاقي لمهنة التدريس على غرار بقية بلدان العالم.
■■ج - العادات والتقاليد والقيم:
يعتبر المجتمع المدني الذي يعيش فيه الفرد ويتعامل معه في علاقات متشابكة ومتداخلة مصدرا مهما من المصادر التي تؤثر في أخلاقيات المهنة للأفراد الذين يتعاملون ويتعايشون في هذا المجتمع سواء على مستوى علاقة الموظف بالمجتمع المحلي أو على مستوى علاقته مع زملائه داخل المؤسسة، أو على مستوى علاقته مع المتعلّمين.
وبناء على ما سبق ذكره من مصادر تؤسس لمهنة التدريس يمكن أن نستنتج هذه البنود التي تعبر أساسية في مهنة التدريس، وجب على كلّ مدرّس اتباعها عند ممارسة مهنته:
●●الإخلاص في العمل.
●●احترام شخصية الذين يعملون معه.
●●الإنصاف بالهدوء وسعة الصدر وتفتح الذهن.
●●التحلي بالتواضع والعفو والقناعة العزة.
●●الرفق واللين.
●●اجتناب التكبر والطمع والبخل والبغضاء والغرور والكذب ومدح النفس وسوء الظن والغضب.
●●محاسبة النفس.
●●العدالة:
■- توضيح التعليمات والقوانين للجميع.
■- المساواة في منح الفرص (فرص التعليم، التدريب، التقويم)
■- عدم التميز والمحاباة بين الأفراد.
●●الاحترام والتقدير:
■- معاملة كل فرد باحترام.
■- تشجيع الجهود المتميزة.
الإنسانية:
■- حسن الإصغاء إلى الآخرين.
■- حافظ على سرية المعلومات.
■- استخدام شبكات التواصل الفعال.
●●●الاستقامة والنزاهة:
■- يلتزم بالقواعد والقوانين واللوائح والتشريعات المنصوص عليها.
■- التصرف بأمانة وصدق.
■- الثبات في السلوك.
●●●الإتقان:
■- التأكد من سلامة المواد والأدوات والأجهزة قبل استخدامها.
■- الإعداد الجيد قبل التنفيذ.
■- مواكبة المستجدات.
نلاحظ أنّ هذه البنود التي تؤسس للممارسة مهنة التدريس اهتمت بكل أبعاد هذه المهنة وأكّدت على البعد الأخلاقي القيمي باعتبار أنّ مهنة التدريس تحكمها عدّة عوامل تتجاوز جدلية الحق والواجب عند ممارستها لأنها من المهن التي تجعل من الإنسان حجر الزاوية مثلها مثل مهنة الطب والمحاماة وغيرها من المهن التي تكون العلاقة فيها مباشرة بالفرد.
■المراجع:
- عبد الرحمان، بن خلدون، المقدّمة، دار الكتاب اللبناني، بيروت،ص.405
- باولو فريري، المعلّمون بناة ثقافة: رسائل إلى الذين يتجاسرون على اتخاذ التدريس مهنة، ترجمة حامد عمّار – عبد الرّاضي ابراهيم – لمياء محمد أحمد، الدار المصرية اللبنانية، ص. 40( دون تاريخ ).
- ابن خلدون، مرجع سابق، ص. 402
التعليقات